15/11/2022 - بدر الدين الإدريسي
تمنطق وليد الركراكي بالبراغماتية لتكون اختياراته مقبولة ولتكون لائحته محط توافق وإجماع
الخط
انتظرنا وانتظرت الجماهير المغربية على الخصوص، اللائحة المونديالية لـ"أسود الأطلس"، التي كنت أراها ويراها كثيرون غيري، أول اختبار حقيقي لنوايا وفلسفة وأيضاً قوة شخصية وليد الركراكي مدرب المنتخب المغربي، على غرار كل الناخبين الوطنيين الذين عاشوا مشقة تصميم لائحة، إن اقتنعوا بها كانت مصدر جدل قوي في منصات النقاش العمومي.
كان من الضروري أن يُخْتبر وليد الركراكي، وهو الذي لم يطل به المقام على رأس الجهاز الفني لـ"أسود الأطلس"، في جرأته وثباته وقوة مواجهته لتيار النقد العنيف الذي يهب ساخناً بل ومعصراً على المدرب والناخب الوطني، لطالما أن الاختيارات هي من صميم الأشياء التي لا يستطيع المرء أن يرضي بها الناس جميعاً.
كان من الضروري أن تقول لنا هذه اللائحة من هو وليد الركراكي؟ كيف يفكر؟ ولأي شيء يخطط لموندياله المقبل؟
ليس القصد أن نتعرّف على ما هو مجهول في شخصه وفكره، ولكن القصد أن نعرف إلى أي حد ارتدى جلباب الناخب الوطني على مقاسه؟ وإلى أي مدى نجح في التعبير عن مكنوناته؟ وما مدى تطابقه الكامل مع فلسفة الاشتغال التي أخبرنا بها؟
للأمانة، كنت أرثى من منظور تجاربي الكثيرة مع ناخبين وطنيين سابقين، مروا بدورهم من هذا الاختبار الصعب، لحال وليد الركراكي، فهو من تلقاء نفسه يريد أن يكون منطقياً في كل اختياراته، لا يعمل عاطفة ولا يسوق مسببات لا تمت بصلة للمعايير الفنية الصارمة، وهو بموجب ما تبديه الجماهير المغربية من تعلق بفريقها الوطني، ومن حاجة ماسة لأن تكون الاختيارات عادلة، يريد أن يكون موضوعياً لتحظى لائحته المونديالية بالإجماع النسبي، لطالما أن للجماهير في عشقها للاعبين مذاهب ومذاهب.
وبعد الرثاء لحال وليد الناخب الوطني، الذي سيبدو للبعض ظالماً مهما كان عادلاً، وسيظهر للبعض الآخر ذاتياً مهما حاول أن يكون موضوعياً، فإنني أقول بكل تجرُّد أن وليد الركراكي تمنطق بالبراغماتية لتكون اختياراته مقبولة ولتكون لائحته محط توافق وإجماع.
ولأن قاعدة المنتخب المغربي من اللاعبين المؤهلين للتواجد في مسابقة كونية ككأس العالم، هي قاعدة عريضة، فإن اختزالها في 26 لاعباً، كان سيصيب لا محالة لاعبين بعينهم بظلم كبير، ظلمٌ لا يُسأل عنه وليد ولا يمكن أن يُجلد بسببه ممن تعوّدوا على رؤية النصف الفارغ من الكأس، ففي هذه اللائحة لم يحضر سامي مايي المدافع الصلب لفيرنكفاروس المجري الذي كان إلى وقت كبير يؤثث الدفاع الأوسط للـ"أسود"، ولم يحضر شقيقه ريان مايي الذي هو أحد هدافي التصفيات الإفريقية المؤهلة لكأس العالم قطر 2022، ولم يحضر أيوب الكعبي الذي كان أيضاً من ثوابت هجوم المنتخب المغربي، كما لم يحضر كثيرون ممن استبعدتهم المقارنات والقياسات الفنية المجردة من كل عاطفة، ولا أخال أن مدرباً من مدربي المنتخبات التي تحضر مونديال قطر، لم يتألّم، حتى لا أقول لم يندم على عدم ضم هذا اللاعب أو ذاك لأن اللوائح تقفل في 26 لاعباً وليس أكثر.
ولأن اللائحة المونديالية هي المدخل الأول لأي ناخب وطني إلى المونديال، فإن مقدار السعادة التي انتشرت بين اللاعبين المدعوين لحفل كأس العالم والتي تحدث عنها رئيس "الفيفا" إنفانتينو متفاخراً ومبتهجاً، هي وحدها التي تبرز قيمة الحلم الذي يعيش عليه اللاعبون، فمن حقق ذاك الحلم كان من السعداء، ومن تبخر حلمه كان من التعساء.
ولكم أن تتصوروا ما كانت ردة فعل لاعب مثل بلال الخنوس وهو يحقق حلم اللعب بالمونديال لمنتخبه الأصلي، ولم يصل بعد لربيعه الثامن عشر، وأي سعادة غمرت الهداف العابر للقارات عبد الرزاق حمد الله، وهو ينال ما يئس منه لوقت طويل، حظوة العودة مجدداً لمنتخب المغرب، وفي أي توقيت؟ في زمن المونديال، وهل كان يخطر ببال وليد أشديرة لاعب نادي باري الإيطالي قبل ستة أشهر من الآن، أن يحقق حلم الدخول لعرين "أسود الأطلس"، فبالأحرى أن يلعب المونديال؟
إنها الحياة التي نحبها ونعشقها بحلوها ومرها، ومن أوجه تلك الحياة، ما أظهره وليد الركراكي عند وضعه لائحة "الأسود" من شجاعة وصلابة، نقول حيالها، ذاك هو وليد، قلبه من حديد ورأيه سديد.