منتخب المغرب.. وحقك أنت المنى والطلب!

الخط

كل يوم مع الأسود هو لنا عيد...


وكيف لا يكون عيداً لنا نحن العرب وما نراه في مونديال إستثنائي هنا في قطر، فصولاً من الدهشة والشدوه، حكايات من ألف ليلة يرويها منتخب المغرب للعالم بألق، هو رجع صدى لما أبدعه العرب للإنسانية في أزمنة ذهبية، هو التحام الجمال بالخيال، وقد وضع على محيّا المونديال رسما ًستتوارثه الأجيال بعد الأجيال.


كانت هذه النسخة الرائعة والفريدة والمرفّهة من كأس العالم، تحتاج غير تلاوين السحر وتعابير الفخامة ومرادفات الجمال التي أضفاها عليها التنظيم الرائع الذي لا نشاز فيه، كانت تحتاج إلى ما يزيد الحدث شموخاً ورسوخاً، إلى ما يعزز الفخر العربي بهلامية التنظيم وفخامة الإستضافة، إلى منتخب عربي يسافر عميقاً في أدغال المونديال فيرسل في الأفق وهجاً ويكون للأسطورة نهجاً، فارس عربي يأتي بجواده الأصيل من زمن بعيد، يُقْبل ويُدْبر ويُنْزِل لنهر المونديال جلمود صخر، فيكون الرهج متعة للعين وانتعاشة للخاطر وانتفاضة للكبرياء، فما أكثر ما رجونا أن نسعد نحن العرب في حضرة العالم.


وقد قيّد للمنتخب المغربي أن يكون هذا الفارس الذي حضر من أزمنة بعيدة، حاملاً رسالة النبوغ العربي للمونديال، وهو من أطل قبل ستة وثلاثين عاماً على المكسيك مهد حضارة الأزتيك، ليكون أول منتخب عربي وأفريقي ينجح في عبور حاجز الدور الأول متصدّراً لمجموعة الموت، كما لُقبت وقتذاك، لوجود عتاة المنتخبات العربية على ذلك الزمن.


لم يكتب لمنتخباتنا العربية، قطر والسعودية وتونس، تجاوز الدور الأول تحت مسببات فنية وموضوعية كثيرة لا مجال هنا لعرضها، فأمّن العرب المغرب على حلمهم بأن يكون هذا المونديال احتفالاً عربياً كامل الأوصاف.


نجح "أسود الأطلس" في عبور الدور الأول متصدّرين لمجموعة هي من جنس مجموعة الموت التي تواجدوا فيها سنة 1986، حتى أن أولى شرارات الأسطورة انبعثت من يوم سحب قرعة كأس العالم، بأن وضع المنتخب المغربي في المجموعة السادسة، المجموعة ذاتها التي جمعته في مكسيكو بمنتخبات إنكلترا، بولندا والبرتغال.


ولأننا كنا نطمع في أكثر من حضور منتخب عربي في دور الستة عشر، فقد قلّد أسود الأطلس أمانة تحقيق الحلم الكبير، حلم أن نرى أخيراً منتخباً عربياً يتقدّم بشموخ وعزة الفرسان ليكون في الدور ربع النهائي بين الثمانية الكبار.


ولأن الأحلام في حياة وليد الركراكي هي عملة متداولة، كما هو حالها في سوق العظماء، فقد كان حقيقاً بكل العرب، أن يصطفوا وراء المنتخب المغربي في نزاله التاريخي أمام الماتادور الإسباني، حالمين ومتأمّلين ومستعدين لركوب مغامرة جديدة تحمل الجميع على بساط الإثارة لعوالم الجمال والفرح والسعادة، فما بدا هذا الفريق من يومه الأول إلا حلماً جميلاً يدخل المخيال العربي فلبس أجمل ملبس وألهاه.


ولأن الإسبان الذين يسكنون أندلساً كانت لنا المرقد ومرتع الأنس، يلقبون بملوك الإستحواذ، فقد كان لزاماً أن يلبس المغاربة هذا الإستحواذ الوشاح الأسود فلا يأتي منه لا زرع ولا زهر، وهو ما كان، إذ نجح وليد الركراكي بالفطنة والدهاء والصبر على الشدائد، أن يفرغ على مدى 120 دقيقة الثور الإسباني من سعاره ورهجه وهيجانه، حتى كانت الإنعطافة الأخيرة على ركلات الترجيح، لتكون فاصلاً بين المنتخبين، وهناك قضي الأمر، وصدحت الأسطورة بصوتها الجميل، إذ ألبس ياسين بونو الأمين على عرين الأسود لباس الفرسان البواسل، ليكون هو عريس الليلة الليلاء، وليكون البدر الذي ينير الليلة الظلماء.


وكومضة البرق التي تعلن مولد النور وخروج الودق الذي يغمر الناس بالخير، عبر إسم المغرب العالم كله، مفاجأة مدهشة، مجداً عربياً، وسحراً يملأ الأرجاء، وكثيرة هي العناوين التي اختارها العرب والعجم لوصف الإنجاز التاريخي للمغرب، فمن قال أن المستحيل ليس عربياً، ومن قال أن شمس المونديال تشرق من المغرب، ومن قال أن الأسود روّضوا الثيران، ومن أوجز وقال بأن وليد أعلن بكاتناشيو مغربي عن الموتة الثانية للتيكي تاكا الإسبانية.


ولأننا نطمع في مزيد، فإننا نرى اليوم أيضا ًيوم عيد، والمنتخب المغربي يقابل منتخب البرتغال العنيد في ستاد الثمامة ضمن ربع نهائي مجيد، نريده أن يستمر حكاية لا تنتهي، والأمل كل الأمل أن يستمر خطو الأسود السديد في درب الإبداع، عنه لا يحيد.
 

للكاتب أيضاً