"أسود الأطلس" الأجدر بالعرس

الخط

 

هل كان سيطيب للمغاربة مشاهدة كأس عالم كاملة الأوصاف، وهي تجرى على أرض عربية بلمسة سحرية غير مسبوقة، من دون "أسودهم"؟


مع كل الذي سكنهم من حزن ومنتخبهم يغادر كأس أمم أفريقيا بالكاميرون أمام منتخب مصر، بطريقة دراماتيكية، إلا أن المغاربة أخمدوا نار الغضب وأسكنوا رياح الإحباط، وتوجهوا بكل آمالهم إلى الملحق المونديالي يرجون إنصافاً، يطلبون مصالحة ويتمنون انتفاضة كبرياء من "أسود الأطلس"، فعلى مسافة قصيرة جداً، كانت تتراءى للعيون صوامع الحلم المونديالي، وهي تدل النبغاء على طريق الخلود.


وقد كان "فهود" الكونغو الديموقراطية لمنتخب المغرب، الخصم والمنافس والجبل الذي يقف شامخاً، ليحجب عن "الأسود" شمس المونديال، بل إن هذا المنتخب الكونغولي الذي نام طويلاً في السراديب المظلمة لا يرى للألقاب القارية ولا للمونديال نوراً، أفاق على حلم شاهق كالجبال، فقد كان وصوله للجسر الأخير الذي يوصل لكأس العالم، كافياً لكي يحرك المياه الراكدة، ليوقظ الأحلام النائمة، وفي لحظة وجدت "الفهود" نفسها مدعومة من طرف رئيس وحكومة وشعب بأكمله، وسترفع كينشاسا شعاراً يلخص كل شيء "لا نتصور كأساً عالمية بقطر من دون الكونغو الديموقراطية".


هذا الشعار/التحدي المرفوع على الهامات، أبرزه لقاء الذهاب باستاد الشهداء، إذ كان "الفهود" قريبين جداً من تسجيل فوز يقوي رصيدهم وآمالهم وقد سكنهم سعار غريب، لولا أن طارق تيسودالي المستنجد به من بنك الاحتياط سيرسم لمواجهة الذهاب تعادلاً إيجابياً، محفزاً للـ"أسود"، مقتصاً لكثير من الآمال الكونغولية، وليصبح لقاء العودة بمركب النار بالدار البيضاء هو الفيصل والحكم بل والمانح لمن سيستحق، بطاقة السفر لمونديال الخيال.


كانت كل الموازين الفنية والتكتيكية التي تقاس بها جدارة وحظوظ كل منتخب، ترجح كفة "الأسود"، لكنها كرة القدم التي لا تعترف لا بالتاريخ ولا بالجغرافيا ولا حتى بحكايا الجدات، إنها كرة القدم التي من غورها تطلع المفاجآت.


ولأن المنتخب المغربي سيستنجد كعادته في كل الأزمنة التي كتب فيها ملاحمه الكروية، بجمهوره الهلامي، فإن ملعب محمد الخامس بكازابلانكا سيتحول إلى صحن دوار، إلى مرجل يغلي، إلى ساحة من نار ودخان، وستفعل الجماهير فعلتها العجيبة، لكي يلعب "الأسود" مباراة، وتحديداً جولة ثانية هي الأجمل والأمتع والأرقى بين كل المباريات التي خاضوها مع مدربهم وحيد العنيد.


جولة ثانية سيجهز "أسود الأطلس" خلالها، على ما بقي لـ"فهود" الكونغو من أنياب ومخالب، لتنتهي المباراة القفل برباعية مغربية، ستحمل "الأسود" على بساط الجدارة لكأس العالم بقطر، ليكون لهم المونديال السادس في تاريخهم، والثاني توالياً، ومن يتحدث عن الجدارة في التأهل، يتحدث عن مسار إقصائي مبهر لمنتخب المغرب، فقد كان الوحيد الذي تأهل من دور المجموعات محققاً العلامة الكاملة في مبارياته الست، وكان الوحيد بين السفراء الخمسة للكرة الإفريقية بكأس العالم، الذي بلغ النهائيات من دون خسارة، منتهى الجرأة والجسارة.


لم يترك منتخب المغرب لأحد، ذرة شك واحدة في أحقيته بالعبور، كما لن يقنع أحداً، بخاصة المغاربة، على أن مونديال الدوحة سيكون له بمثابة نزهة، الحضور فيه بين أعرق المدارس الكروية العالمية هو أم الغايات.


ومن دون حاجة لعقد أي مقارنة من أي نوع بين الجيل المونديالي الحالي، وما سبقه من أجيال مونديالية تصدرت المشهد العالمي في خمس مناسبات متباعدة، فإن السياقات والتراكمات وكم الخبرة المكتسب لدى الأعمدة البشرية لمنتخب المغرب، تتركنا نتطلع إلى مشاركة من جنس المشاركة الأنطولوجية والتاريخية للـ"أسود" في مونديال مكسيكو 1986، وخلالها تصدروا مجموعة الموت المشكلة من منتخبات إنكلترا، وبولندا والبرتغال، وارتقوا للدور ثمن النهائي، كأول منتخب عربي وإفريقي ينال هذا الشرف.


وبرغم أن منتخب المغرب سيكون في المونديال الاستثنائي، بمجموعة قوية، إلى جانب "الشياطين الحمر" لبلجيكا والمنتخب "الشطرنجي" كرواتيا ومنتخب كندا، إلا أن منافسة كل هؤلاء على واحدة من بطاقتي دور الستة عشر، تتطلب تحضيراً بمستوى عال من الدقة وتتطلب أكثر من ذلك، محيطاً سليماً، ونظيفاً وخالياً من الشوائب.


وستكون الزاوية القادمة تفصيلاً لتضاريس مجموعة "أسود الأطلس" في المونديال.


رمضان كريم.

للكاتب أيضاً