حكم عليهم مونديال قطر.. فلا نقض لحكمه!

سيكون مونديال قطر أوله استثناء ووسطه دهشة وانتشاء وآخره أسطورة تذكرها الأجيال

الخط

من أين يا ترى يأتينا الانطباع، أننا لسنا في بداية الموسم الكروي؟


لماذا يخيل لنا أننا قطعنا أشواطاً كثيرة في رحلة الألف ميل، والحال أننا ما زلنا في خطواتنا الأولى؟


يرسل المشهد الكروي العالمي، الكثير من الإشارات والبشارات على أنه موسم استثنائي، كل ما فيه يخرق القاعدة ولا يستنسخ في شيء ما تعوّدنا عليه خلال سنوات مضت، وقد كنا في توقيتٍ مشابهٍ نسير الهوينى في طريق الاشتعال، نصعد سلم الإثارة درجاً بعد الآخر..


عندما نطالع اليوم أياً من الدوريات الأوروبية الكبرى التي لا تسحرنا سواها بمبارياتها ومتعها، نشعر وكأننا نسير بسرعة جنونية، الإثارة اشتعلت، والمباريات تعددت واللاعبون يسابقون الزمن للوصول لقمة لياقتهم البدنية، وكأنهم يبحثون عن مولد يستبق ولا يكترث بالدورة الزمنية للمخاض.


حتى دورياتنا العربية سلكت المسلك عينه، تحدّت المناخ والقيظ والرطوبة وحتى الاختناق، لتضبط عقاربها على ساعة تنافسية مختلفة واستثنائية، فما نشاهده اليوم في بعض من قمم دوري نجوم قطر، أو في دوري أدنوك للمحترفين بالإمارات، ودوري روشن السعودي، وحتى في الدوريات المغاربية، يعطينا الانطباع على أننا قفزنا كثيراً على الزمن الكروي، وتخطينا بمراحل عتبات البداية التي توشم عادة بالإيقاعات الرتيبة والبطيئة أحياناً. للأمانة نحن في موسم مختلف.


بالأمس خاض بايرن ميونخ أمام أوغسبورغ عن الدوري الألماني مباراته الحادية عشرة منذ بداية الموسم، بينما لم يكن قد خاض في التوقيت عينه من الموسم الماضي غير ست مباريات، والأمر عينه يسري ولو بنسب أقل على أندية مثل باري سان جرمان بفرنسا، وريال مدريد بإسبانيا، ومانشستر سيتي بإنكلترا، بل إن السباق الأوروبي بكؤوسه الثلاثة أنهى الجولة الثانية من دور المجموعات، وقد تخطى قبل ذلك العديد من الأدوار التمهيدية، فما هذا الذي نحن حياله؟ أهو ضرب من الجنون؟ أم هو الإكراه الذي لا محيد عنه؟ وما هي يا ترى مسبباته وتداعياته؟


انتهيت في زاوية العدد الماضي، إلى القول أن من الأوجه الاستثنائية لكأس العالم قطر 2022، كونه سيجرى منتصف الموسم الكروي وليس في خاتمته، أي أنه سيجرى شتاءً، بينما ضبط كوكب كرة القدم عقارب الزمن المونديالي لعقود من الزمن على الصيف، وهذا الانقلاب الفجائي في البرمجة الزمنية، قبل أن يكون له تداعيات فنية نتوقعها أن تكون وقوداً للمتعة ورافعة للجودة، ستكون له أحكام لا تقبل لا نقضاً ولا إبراماً، لأن عدم الامتثال لها يعني بكل بساطة أن تلك الدوريات ستكون خارج الزمن، ومن منا يستطيع أن يكون على هامش الزمن العالمي؟


مؤكد أن كأس العالم الاستثنائية بقطر، ستنتزع من الأجندة الموسمية ما لا يقل عن 40 يوماً، هي المدة التي سيستغرقها التحضير المضغوط والمباريات المبرمجة من أول لآخر المونديال، أي أن الدوريات في العالم كله، أو في معظمه، سترخي الستارة إيذاناً بتوقف طويل وغير اعتيادي بداية من العاشر من نوفمبر القادم، لترفعها مجدداً في نهاية شهر ديسمبر، ولربما لما بعد الاحتفال بأعياد رأس السنة، وحتى لا تكون الأجندة بعد المونديال نارية وانتحارية، فقد عمدت الاتحادات الكروية إلى تبكير انطلاق الدوريات، واعتماد أجندة مضغوطة، حتى لا تمسّ شعرة واحدة من جماهيرية وجاذبية وتسويقية تلك الدوريات التي هي رأسمالها الكبير والضامن للعوائد المالية الضخمة التي تقتات منها الأندية.


وهنا يبرز السؤال الكبير الذي على الخبراء الفنيين أن يجدوا له جواباً شافياً واستباقياً..


ألا يمكن لهذه البرمجة المضغوطة أن تنال من اللاعبين، أن تصيبهم بالإجهاد، إن لم تتهددهم في أي وقت بإصابات عضلية تنهي حلمهم بلعب المونديال؟


إلا من بعض الإستثناءات، للاعبين قضت إصابات عضلية بليغة على فرصتهم في لعب كأس العالم الاستثنائية بالمونديال، فإن جل اللاعبين ناجحون حتى الآن في ربح الرهان الصعب، الانخراط بلا أدنى تحفظات في الإيقاعات النارية للدوريات المحلية والتحضير المثالي لكأس العالم، الدال على ذلك، إرادتهم القوية ورغبتهم الجامحة في قهر المستحيل وكسب التحدي، وكثير من التطور الذي شهده مجال الإعداد البدني والذهني والتتبع الطبي، والذي يستطيع أن يبرمج عضلات اللاعب وذهنه على هذا الزخم التنافسي غير المعتاد.


طبعاً كانت لمدربين معروفين بفكرهم الجدلي وانجاذبهم لكل ما يغني النقاش عن لعبتنا الجميلة، ردود فعل متباينة من استثنائية البرمجة الزمنية لمونديال قطر، ومن تداعيات الأجندة المضغوطة للدوريات، فمن يرى أن اللاعبين سيصلون لكأس العالم في هذه النسخة بالذات وهم في قمة طراوتهم البدنية، خلافاً لما كان الحال عليه في النسخ الصيفية، وهو ما يبشر بمضمون فني غني للمباريات، ومن يتصور أن معظم اللاعبين يدخلون الموسم مع نواديهم ولا يشغلهم شيء غير الوصول لكأس العالم من دون إصابات، وهو ما سيُقلل من جودة منتجهم الفني مع أنديتهم، ولو أن ما نشاهده إلى الآن في أغلب المباريات، لاعبون في قمة حماسهم، يسعون لإسعاد أنديتهم ويشتغلون بلا هوادة للوصول لأعلى درجات الجاهزية البدنية، ليوقّعوا مع منتخباتهم القومية على مونديال تاريخي، وهو ما يعزز في النهاية ثقتنا جميعاً بأن كأس العالم بقطر، سيكون أوله استثناء، ووسطه دهشة وانتشاء، وآخره أسطورة تذكرها الأجيال.


 

للكاتب أيضاً