عندما تجعل باريس أمراءها يبتسمون!

هل يقود ميسّي ونيمار الفريق الباريسي إلى اعتلاء العرش الأوروبي؟

الخط

فاتني أن أشاهد الظهور الأول لباري سان جيرمان بطبعته الجديدة، خلال كأس الأبطال الفرنسي أمام نانت، وقد شهد فسحة باريسية في حدائق الكناري، لذلك حرصت أن أتابع الخرجة الأولى لأمراء الحديقة بملعب كليرمون فوت في أولى جولات الليغ 1، علّني أستكشف الملامح الأولى لمشروع اللعب الذي جاء به المدرب كريستوف غالتييه الذي يُصنّف اليوم في قائمة الجيل الجديد للمدربين الفرنسيين المبدعين، وقد صنع زمناً جميلاً لنادي ليل المُتوّج بطلاً لفرنسا قبل موسمين.


بالقطع لم يكن اختيار إدارة باري سان جيرمان لكريستوف غالتييه مدرباً وربّاناً فنياً ومهندساً للرؤية الجديدة، اعتباطياً ولا مؤسساً على انطباع عابر، بل كان مستنداً على قناعات فنية، تتصدرها قناعة راسخة، من أن الرجل يستطيع أن يسحب الفريق الباريسي بالكواكب التي تسطع في سمائه إلى مجرّة العظماء، أن يُمكّنه من المجد الأوروبي الذي بحث عنه منذ أن جاءت القيادة القطرية لتنقل النادي الباريسي إلى مصاف كبار أندية أوروبا.


لم يكن مستساغاً على الإطلاق ألا يضيء باري سان جيرمان سماء أوروبا، أن يتوسّط في سماء الدهشة، قناديل أخرى مثل ريال مدريد، بايرن ميونخ، ليفربول أو برشلونة، برغم أن تشكيلته تضمّ كل تلك الأساطير، من مبابيه إلى ميسي، مروراً بنيمار وماركينيوس وسيرجيو راموس وماركو فيراتي وأشرف حكيمي، وكل واحد من هؤلاء أستاذ بل ونابغة في موقعه داخل منظومة اللعب، لذلك كان ضرورياً إيجاد الفكر الفني والتكتيكي الذي يستطيع بحكمة الفلاسفة أن ينقل الأداء الجماعي لباري سان جيرمان، إلى المرتبة الهلامية التي تتناسب وروعة أزهار الكرنك والياسمين التي نجحت القيادة القطرية في تجميعها بحديقة الأمراء.


أمضى الأرجنتيني بوتشيتينو على رأس العارضة الفنية لباري سان جيرمان موسمين كاملين، وبرغم أن ثاني الموسمين عرف مجيء الأسطورة ميسي والعملاق الإيطالي دوناروما والمدافع الخرافي سيرجيو راموس والظهير الطائر المغربي أشرف حكيمي، إلا أن الأداء الجماعي ظل شاحباً، كثيرة هي تجاعيده وحتى تشوّهاته، فما لمعت على صدر باري سان جيرمان كل تلك الجواهر التي صرف النادي ملايين الدولارات لضمّها لصفوفه، وما نجح هذا الفيلق الهلامي في الظفر بالقلادة الأوروبية برغم العدد الكبير من الوشاحات المحلية.


عدّد العارفون بخبايا كرة القدم مصادر الخلل في منظومة لعب باري سان جيرمان، ووجدوا كثيراً من المعيقات التي تحول دون تحقق الانسيابية في الأداء، ولا تسمح بالتطابق جماعياً مع الفرديات الهلامية، فكان لزاماً تغيير المنظور وتغيير الربّان وسلك طريق أخرى أكثر سلاسة من الطريق الوعرة التي اختارها بوتشيتينو بأسلوب لعبه. وبتأنٍ شديدٍ اهتدت إدارة باري سان جيرمان إلى المدرب كريستوف غالتييه لكي يُصمّم لهذه الجوقة الخرافية، السيمفونية التي يرتفع صداها في العالم وتغري أخيراً الأميرة الأوروبية، فتحضر طائعة وراضية لحديقة الأمراء.


وقد راقني كثيراً ما شاهدته في مباراة كليرمون فوت من باري سان جيرمان بالتقليعة التكتيكية الجديدة التي جاء بها غالتييه، فبرغم غياب الصاروخ كيليان مبابيه، صاحب الحلول السحرية، وجدت في هذا الفريق الباريسي ما يقول بأن السعادة وجدت طريقها لأمراء الحديقة، فنيمار كان في قمة السعادة، فكشف عن النسخة السحرية التي لم نرها منه منذ زمن طويل، وكان البرغوث ليونيل ميسي سعيداً، وقد تحرر من كل الأثقال والقيود النفسية التي أنهكته في موسمه الباريسي الأول، وليخبرنا بأن النسخة السحرية له مع برشلونة ما زالت حية فيه، وكان الرائع سيرجيو راموس سعيداً بعودة روح القيادة الدفاعية إليه، لتذكرنا بسيرجيو ريال مدريد، وتفاعل المغربي أشرف حكيمي مع رفع القيود التكتيكية عنه، فحلّق كالفراشة ولسع كالنحلة في رواقه الأيمن.


كان سان جيرمان بالخماسية أمام كليرمون فوت التي أعقبت رباعية نانت، يقول تلميحاً وحتى تصريحاً، بالمنسوب العالي للطلاقة والرشاقة، وبالكمّ الكبير للمعادلات والتركيبات التكتيكية، وبالصورة المبهجة التي كان عليها أسلوبه التكتيكي 3-4-1-2، إنه دخل زمناً جديداً وارتدى جلباباً جديداً وأصبح وجهه بشوشاً ولعبه رشيقاً، وتلك كلها دلائل على السعادة التي أرسى دعائمها المدرب غالتييه، فجعل من هجوم يتعانق فيه نيمار وميسي حالة من الانبهار، ومن وسط تتحرك موجاته مدّاً وجزراً، حالة من الدهشة.


شاهدت باري سان جيرمان كما لم أشاهده إلا نادراً في السنوات الأخيرة، يلعب بنظام الكورديون أو الإسفنجة كما يحلو للمدربين تسميتها، فريق يضغط على المنافس، يلعب بخطوط متقاربة ومتحركة، لا يتوقف عن نسف دفاعات المنافس ولا يعرف طريقاً للإشباع، حتى وهو متقدم بخماسية نظيفة لا يفكر في ادّخار المنسوب البدني، فريق يضحك لأن ميسي يضحك كما قال غالتييه.


بالقطع، لا أستطيع من هذا الذي شاهدته في مباراة كليرمون فوت، أمام فريق خارت قواه وظهرت محدودية لاعبيه، أن أجزم القول بأن باري سان جيرمان سيهتدي أخيراً للطريق التي توصل لقصر الأميرة، ففي كرة القدم ليس هناك شيء قطعيّ ولا جازم، ولكن أنا على يقين من أن باريس وجدت في غالتييه الكيميائي الذي كانت تبحث عنه، ليمنحها السعادة وليعطيها الخلطة السحرية التي تصنع الخلود، والخلود هو أن تأتي الكأس ذي الأذنين الطويلتين لحديقة الأمراء.
 

للكاتب أيضاً