26/07/2022 - بدر الدين الإدريسي
أحرز منتخب سيدات جنوب إفريقيا لقب النسخة الـ14 من كأس أمم إفريقيا للسيدات بالفوز على المغرب بهدفين لهدف
الخط
في ليلتين سكن البدر مكاناً واحداً، أرسل لضفاف نهر أبي رقراق بالرباط عاصمة الأنوار بالمغرب، ومضتين أجمل منهما لم تر العين..
في ليلة مخملية، توّجت إفريقيا نجومها ونيازكها من خلال حفل أنيق، أقيم بمركب محمد السادس لكرة القدم، التحفة المعمارية والمعلمة الرياضية التي يقل لها نظير حول العالم، وما كنا نحتاج لاجتهاد أو لفراسة أو حتى لمتخصصين في قراءة الطالع، لنحدس لهذه النيازك المحتفى بها من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم هوية أو وطناً أو حتى جنسية، فقد كانت القرائن كلها تقول أن السنغال ستتسيّد حفل الأفضل، فلها "أسود" ملأت الموسم زئيراً وهديراً وحتى زمهريراً.
كانت الكاميرون مع بداية العام قبلة لصفوة المنتخبات العالمية، وهي تُنظّم مونديال إفريقيا، وكم كان هذا المونديال تاريخياً و"أسود التيرانغا" تحصل على أول لقب لها لكأس أمم إفريقيا، بعد أن حسمت صراع الأمتار الأخيرة مع "فراعنة" مصر بالفوز عليهم بركلات الترجيح، فكان هذا الإنجاز ومعه الجلوس طويلاً على عرش الكرة الإفريقية بتصدر ترتيب منتخباتها في التصنيف العالمي، كافياً ليعلن منتخب السنغال الأفضل قارياً في الموسم الكروي المنتهي، متقدماً في السباق الختامي على منتخبي مصر والكاميرون.
ولا عجب أيضاً أن يكون أليو سيسيه مدرب "أسود التيرانغا" هو الأفضل بين كل المدربين الذين صمموا لمنتخباتهم ونواديهم وصفات التميّز، فقد نجح المدرب السنغالي الشاب، قياساً بعمر التجربة، في وضع النجوم المبهرين للسنغال في محمية واحدة لا مفاضلة ولا فرق بينهم ولا كلمة تعلو على كلمته، فأتوا بما كان مبحوثاً عنه لزمن طويل.
ولأن مشهد التنافس على جائزة اللاعب الأفضل أصبح منذ خمس سنوات حكراً على النجمين محمد صلاح وساديو مانيه، فإن ما سيكون مرجحاً للكفة وحاسماً في الاختيار هو اللقب الجماعي، وطبعاً ستؤول الجائزة "ذي بيست" لساديو مانيه، متفوقاً على "الفرعون الصغير" محمد صلاح، بما أنجزه ساديو وهو يقود منتخب بلاده للتتويج لأول مرة في تاريخه بكأس أمم إفريقيا ويقرن ذلك بالتأهل لكأس العالم.
ولم يترك السنغاليون لغيرهم إلا القليل، فنال نادي الوداد الرياضي المغربي، المُتوّج بطلاً للقارة، جائزة أفضل النوادي إفريقياً، واستحق الأمين على عرين مصر والأهلي لقب أفضل لاعب يمارس بإفريقيا.
وفي ليلة أبهى من سابقاتها، أسدلت كأس إفريقيا للسيدات الستارة على النسخة الرابعة عشرة التي نُظّمت بالمغرب، وقد كان كل ما فيها، أو ما تحرّك في هوامشها جميلاً بل واستثنائياً.
طبعاً ما كان المغرب بحاجة لتنظيم مونديال إفريقيا للسيدات، لكي يُظهر براعته في التنظيم وقدرته الرهيبة على إعطاء إكسير النجاح لأي تظاهرة رياضية يُنظّمها، إلا أنّ ما اجتمع من عناصر التفرُّد والإبهار لهذه النسخة تحديداً، يقترن بالحقيقة التي ما فتأ الدكتور باتريس موتسيبي، رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، يجهر بها، حقيقة أن مجرد تنظيم المغرب لفاعلية رياضية، بطولة كانت أم ورشة عمل أم تناظراً، إلا ويكون النجاح التنظيمي من البديهيات، لذلك يجمع حكماء إفريقيا اليوم على أن المغرب هو الأجدر والأحق والأليق بأن يُنظّم كأس العالم لثاني مرة على الأرض الإفريقية بعد جنوب إفريقيا.
اجتمع إذاً في هذه النسخة من كأس أمم إفريقيا للسيدات، ما تفرّق في غيرها من بهاء ونظارة وفخامة، فقد عكست النسخة التي كان منتخب جنوب إفريقيا بطلاً لها، بعد أن أخفق في خمس نهائيات سابقة، الطفرات النوعية التي حققتها إفريقيا في كرة القدم بنون النسوة، فما شاهدناه في دورة المغرب من مستويات فنية يؤكد أن إفريقيا ذوّبت بعضاً من الفوارق الشاهقة التي تفصلها عن بقية القارات.
وكانت الدورة استثنائية في الحضور الجماهيري، فهي النسخة الأكثر مشاهدة، وهذا مؤشر على ارتفاع نسبة الجاذبية للكرة النسوية بقارة الغرائب.
وكان منتخب المغرب للسيدات، المؤشر الفعلي على وجود نقلة كمية وكيفية في مسار التطور، فمن منتخب، إن حضر في الأدوار النهائية خسر بالحصص العريضة، لوجود ما يستحيل معه القياس من فوارق جسمانية وفنية وحتى تكتيكية، إلى منتخب لا يهاب أحداً، يتجرأ حتى على الكبار، فبجماعية الأداء والتفرُّد بهوية لعب متطابقة، سيحقق بوصوله للدور نصف النهائي التأهل لكأس العالم كأول منتخب عربي ينال هذه الحظوة، بل سينجح في بلوغ المباراة النهائية ونيل لقب الوصافة..
هذه الوثبة هي ما يُعبّر عن جذوة الاشتغال في ورش كرة القدم النسوية من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فـ"لبؤات الأطلس" اللواتي سحرن البطولة وكنّ أجمل مفاجآتها بل وأحلى ما فيها، ما أتين من عدم وما كنّ غيمة صيف عابرة لا ماطرة، بل هنّ من سلالة العمل الاحترافي الذي لا يمكن للنجاح إلا أن يكون صنواً بل وحليفاً له، فالصدفة إن صنعت فوزاً عرضياً، فإنها لا تصنع انتصارات متواترة، كما المغرب لا يأتيه النجاح في التنظيم عرضاً، بل يدين بالولاء له لأنه من أصله.