هذا ما ستجنيه قطر من تنظيم المونديال؟
5/07/2022 - بدر الدين الإدريسي
من يزور قطر بانتظام منذ أسندت إليها "الفيفا" تنظيم كأس العالم، يستطيع بالعين المجردة أن يحصي عدد سنوات التنمية التي ربحتها
الخط
الذين لا يرون أبعد من أنوفهم، والذين تأخذهم نزوة التفتيش في الجحور عن النواقص وحتى عن المنغّصات، وحتى الذين يبرعون في بيع الوهم، يقولون إن ما صرفته قطر على تنظيمها لكأس العالم، وهي في ذلك صاحبة سبق تاريخي في محيطها الخليجي، فالشرق الأوسطي، فالعربي، وهو ببلايين الدولارات (230 مليار دولار، صُرف كثيره على البنى التحتية) لا يوازيه في الحجم ما ستجنيه قطر من عائدات، ويقولون إن هذه القاعدة المختلة، والتي تفضي باستمرار إلى عجز مالي مهول، لن تنفرد بها قطر وإنما تكرر في دول غيرها، بل هناك بين هذه الدول من لا تزال حتى الآن تجترّ خسائر مالية فادحة، تكبّدتها جرّاء تنظيمها لحدث رياضي كوني، أكان دورة أولمبية أم كأساً للعالم لكرة القدم.
وذاك ادّعاء لا يصمد أمام المنطق العلمي والاقتصادي الذي يقلب الأمور من زوايا كثيرة عند تحليلها وتشريحها التشريح الدقيق، ولا يقف عند مجرد طرح العائدات من النفقات لتحديد حجم الربح أو الخسارة، الفائض أو العجز.
لو أن تنظيم حدث كوني كالأولمبياد وكأس العالم، لا يجرّ وراءه إلا العجز والخسارة بالمعنى العيني، ما كانت الدول تتسابق، وأحياناً بضراوة، لتنظيم أحد هذين الحدثين الكونيين، ولما اصطفت الدول بالطوابير أمام اللجنة الأولمبية الدولية وأمام الاتحاد الدولي لكرة القدم، تتوسل أحياناً لمنحها شرف تنظيم هذه التظاهرة أو تلك، بل إن منها من تشق الأخاديد السياسية والاقتصادية، لتجعلها كومة من الضغط على صناع القرار.
وطبعاً عندما نأتي للحديث عن قطر وقد تجمّلت وتأنّقت لتستقبل كأس العالم، سنُجرّد العائدات والمنافع حتى قبل أن تعطى إشارة الانطلاقة لكأس العالم، سنُجرّد ما هو رقمي وعيني، لنقول أن قطر ستجني فعلياً من تنظيم كأس العالم أرباحاً مباشرة، قد لا توازي ما صُرف على العمليات الإنشائية الضخمة، التي منحت قطر شبكة من البنى التحتية الرياضية والفندقية والطرقية العالية المستوى، والتي ستُغذّي إلى حد بعيد الشريان الاقتصادي في القادم من السنوات، كما أن المعدل الاقتصادي القطري سينمو خلال عام المونديال بنحو 3.4 بالمائة، وهو رقم يُجسّد القيمة الاقتصادية لحدث رياضي ككأس العالم، كما أن تنظيم قطر للمونديال سيُمكّنها في إطار رؤية تسويقية متكاملة من الوصول لرقم ستة ملايين سائح في حدود عام 2030، أي ثلاثة أضعاف ما يُسجّل اليوم.
ولأن الاتحاد الدولي لكرة القدم حريصٌ على أن يكون كأس العالم لكل من ينظّمه رافعة اقتصادية وتنموية ومنتجاً للثروة لا مبذراً لها، ومخلّفاً إرثاً مستداماً، فإن قطر التي راهنت على كأس العالم، كما راهنت على أحداث رياضية ولو كانت أقل جاذبية، وعلى فعاليات ذات بُعد كوني، إنما تتطابق مع رؤية لا تسجن نفسها في بضع سنين ولا تطمع في عائدات عينية سريعة، بل إنها جعلت من كأس العالم مرتكزاً لاستراتيجية قوامها 20 عاماً، وهي في ذلك تُحقّق تراكمات ونجاحات وطفرات، بل وتُمتّع نفسها بإرث لا مادي من الصعب جداً أن نحصره في دائرة ضيقة من التوقعات.
والذي يزور قطر بانتظام منذ أسندت إليها "الفيفا" عام 2010 تنظيم كأس العالم 2022، يستطيع بالعين المجردة أن يحصي عدد سنوات التنمية التي ربحتها قطر، فهذه البنى التحتية، التي هي الشريان الحيوي لأي إنماء اقتصادي تتطور بوتيرة مدهشة، وهذه الاستادات، وهي بالفعل تحف هندسية تُرسّخ العراقة والنبوغ في ذاكرة الزمن، تُؤسّس لاستدامة النهضة الرياضية، وهذه الفنادق والمنتجعات المنتشرة في الربوع، تتحوّل إلى خيمات لإيواء السياح، لتقفز الأرقام لمستويات قياسية غير مسبوقة.
عاملت قطر من اليوم الأول كأس العالم كإرث مادي ولا مادي، كمُسرّعٍ كبير للتنمية، وكجالب للثروة العينية وغير العينية، وكمُنتِج للتراكمات الثقافية وكمُروّجٍ للقيم والتقاليد الأصيلة لشعوب الخليج ولكل العرب..
وقطر التي تقف اليوم على بُعد أربعة أشهر من تنظيم المونديال الأجمل عبر التاريخ على حد تعبير رئيس "الفيفا"، جياني إنفانتينو، تكون قد حققت النجاح المدهش والمبهر الذي سيفوق كل التوقعات، حتى قبل أن تعطى إشارة الانطلاقة للحدث الكروي الذي سيحبس أنفاسنا جميعاً.