كلاسيكو الليغا يُوقف الأرض عن الدوران!

تواجه الفريقان تاريخياً 249 مرة شهدت فوز الريال 100 مرة مقابل 97 لبرشلونة

الخط

الأحد السادس عشر من أكتوبر، هو يوم كلاسيكو الأرض بين الريال "الملكي" وبرشلونة الكاتالوني، هو يوم تتوقف فيه الأرض عن الدوران، فلا مكان يجذب عيون الملايين من عشاق كرة القدم، غير مسرح سانتياغو برنابيو بالعاصمة الإسبانية مدريد، صرح كروي يباهي الزمان على غرار كل الملاعب الأسطورية، بما عاشه من لحظات لا يمكن أبداً أن تسقط من الذاكرة.


هذه النسخة 250 من كلاسيكو الريال والبارشا في كل المسابقات، قد تختلف في المكوّن الأساسي لكتابة العرض وصناعة الفرجة، فبرشلونة على وجه القبلي أحضر إلى الكامب نو فرساناً جدداً لعله يُشيح عن المشهد، الصورة المزعجة التي صاحبت البلوغرانا الموسم الماضي، فقد جاء إلى برشلونة الهداف المذهل البولندي ليفاندوفسكي، والدنماركي أندرياس كريستنسن، والعاجي كيسييه، والبرازيلي رافينيا والفرنسي جول كونديه، إلا أن الكلاسيكو لا تتغيّر فيه الروح ولا تنقص عنه الجاذبية، حتى لو أن هناك من قال ذات وقت أن المبارزة بين العملاقين ستفقد كثيراً من وهجها برحيل الخرافيين ليو ميسي وكريستيانو رونالدو، وقد شكّلت لهما الليغا مسرحاً للعرض المبهر، وشكّل الكلاسيكو لكليهما فرصة لتوليد الطاقة الإبداعية التي أنتجت منافسة ولا أجمل حرّكت بواطن الكلم لوصف الخوارق التي كانت تشاهد من العبقريين.


والحقيقة أن الكلاسيكو منذ يومه الأول قبل نحو 120 عاماً، وعلى الخصوص منذ أن أصبح لوحده كوكباً في سماء كرة القدم العالمية، وهو يُصدّر للعالم صوراً مبهرة، احتفال على أرضية الملعب وفرجة في المدرجات.


ولأن هذه الكونية التي استحقها كلاسيكو الليغا بجودة ودسامة المُنتَج الكروي، لا يمكن أن تأتي إلا من صرحين كرويين يقفان باستمرار على قمة الهرم الكروي العالمي، إن تصدّع الصرح مرة، سارعت المرجعيات إلى رأبه، على غرار ما يحدث اليوم في برشلونة، حيث تسبّب التهوّر الاقتصادي في زمنٍ ما، في اختلال مالي فظيع، أنا على ثقة من أن فريقاً بغير صلابة البارشا وحصانته الجماهيرية وعمقه التاريخي، لكان صرحه قد هوى.


والذي يقف على بعد مسافة مقدرة من فريق كريال مدريد، يقرأ ما يرسله البيت الأبيض من إشارات دالة على عبقريته وتسلطنه، ستبهره بلا شك الأرقام، ألقاب الليغا وعددها 35، وألقاب دوري الأبطال وعددها 14، دون حساب ألقاب كأس الملك وألقاب السوبر الأوروبي والسوبر الإسباني وألقاب دوري القارات الذي خرج من جلبابه كأس العالم للأندية، إلا أن المحرك الفعلي لهذه الملكية الرائعة وهذا التسلطن الاستثنائي، شيء لا يُرى بالعين المجردة، لأن السرّ فيها هو أن البيت الأبيض، بيت محصن، بيت تدخله الشمس، صحيح، ولكن لا تدخله عيون الجواسيس ولا تندس في قضاياه أنوف الفضوليين، وقد علمت شخصياً من زملاء صحافيين يشتغلون بصحيفتي "ماركا" و"أس" المواليتين للريال، أنهم يعانون كثيراً في الوصول إلى المطبخ السري الذي تتخذ فيه القرارات القوية، لذلك تراهم يطاردون أي خيط يوصلهم إلى الأخبار الحصرية، وكلما تحصلوا على مصدر بالكاد يمنحهم نقطة ماء من دون أن يروي ظمأهم، فإنهم يتكتمون عليه ويودعونه في سرداب مظلم.


وعندما نأتي لنتعرّف على الشخص الذي يتمثّل دور مدير العلاقات المؤسسية لريال مدريد، سنكتشف رجلاً اسمه إيميليو بوتراغينيو، أحد أساطير ريال مدريد في ثمانينيات القرن الماضي، رجل كتوم بطبعه، لا ينطق كفراً ولا يغرق في الثرثرة، هو حريص كل الحرص على أن يزن كلماته وألا يقع في خطأ تواصلي، وهذه العقلية المتكتمة التي تعين ريال مدريد على قضاء الحوائج، وأهم هذه الحوائج أن يبقى الفريق في منأى عن الجدالات العقيمة، تلك العقلية هي التي تسود الريال من رئيسه فلورنتينو بيريز إلى مستودع الملابس، إلى اللاعبين من مودريتش وبنزيما حتى الصغير البرازيلي رودريغو، مؤسسة عملاقة وذات بُعدٍ كوني، إلا أنها تعتمد في مقام أول على فلسفة تواصلية تُسعد رجال الإدارة وكل مكوّنات ريال مدريد، كيف لها وهي تغنيهم عن إنتاج لغط وجدل وتجاذب، يصرف الفكر عن الأشياء المهمة، وبالطبع هذه المقاربة التواصلية تغضب الصحافيين، وكيف لا تغضبهم وهي تحول بينهم وبين طبخ وصفات إعلامية تشبع فضول ونهم المتلقي.


وحتى عندما يقف بوتراغينيو أمام الصحافيين في المناسبات التي تُحتّم ظهوره إعلامياً، فإنه ينتقي العبارات بشكل دقيق، ولا يسمح أبداً بتعويم الحديث الذي قد يتسبب في زلات لسان تسيء للمؤسسة، ولعل هذه واحدة من أقوى الدعامات التي تقف عليها مؤسسة ريال مدريد قوية وشامخة لا تهزها رياح الأزمنة الصعبة، وفي ذلك يمكن أن يقدّم الريال درساً بليغاً لكل الأندية التي ترغب في أن يقف صرحها شامخاً لا يميل حيث الرياح تميل.


في النهاية، عندما يُسأل بوتراغينيو عن هذه الحصانة المؤسسية القوية والتي لا تترك للبيت الأبيض شرفة أو ثقباً يدخل منه الجواسيس، يقول بكل بساطة "لا يتعلّق الأمر بطريقة لرؤية كرة القدم، ولكن بفهم الحياة".


والحياة هي دائماً جميلة لنا عشاق كرة القدم، ما دام فيها شيء اسمه كلاسيكو الأرض.
 

للكاتب أيضاً