مونديال يُلهب الأخيلة.. هذا جواب الأسئلة!

سينعم العالم بمشاهدة كأس عالمية متفردة بطابعها الإنساني وبزخمها الرياضي وبحمولاتها الإبداعية

الخط

لا أتصور أن نسخة لكأس العالم من النسخ الـ21 التي انصرمت، قد واجهت، كما نسخة قطر 2022، جبلاً من الأسئلة، قليلها استفهامي وكثيرها استنكاري، فمنذ أن كشف العجوز جوزيف بلاتر، المُبعد قسراً من رئاسة "الفيفا"، عام 2010 عن روسيا منظمة لكأس العالم 2018 وقطر منظمة لكأس العالم 2022، والناس لا يملّون من طرح الأسئلة، أسئلةٌ كانت من البداية كجبل الثلج الذي يذوب كلما انعكست عليه شمس الحقيقة، فإن وجد لها كثيرون أجوبة تشفي الغليل، غليلُ المعرفة طبعاً، انزوى آخرون في بؤرهم متوجعين، ليستنجدوا بخبثهم وليواصلوا نسج الأسئلة التي ترسل في المدى الوساوس والهواجس.


ولئن كانت قطر ستُعلن بعد أسابيع فقط من الآن، عن مولد نسخة متحورة من كأس العالم، لا مسبوقة ولا منسوخة، نسخةٌ ما رأت الإنسانية شبيهاً لها منذ أن خرج المونديال للوجود قبل 92 عاماً، فإنها ستعلن في الآن عينه عن مولد طبعة استثنائية من المونديال، استثنائية في شكلها وفي زمانها وفي مضمونها، واستثنائية أيضاً في تحدّيها لكثير من صنوف التجييش والتبخيس، في مواجهتها بجلد وصبر وشموخ العرب لكل الرياح الفاسدة التي كانت تهبّ عليها من قلاع التيئيس.


فبعد أن هدأت عاصفة الدهشة التي عمت الناس وقطر تربح رهان تنظيم كأس العالم، انطلقت الدوحة في صناعة الإعجاز، ليس فقط بروعة الإنجاز لملاعب تحفة، وليس فقط بالامتثال الذي فاق الخيال لشروط وأحكام دفتر التحملات الصادر عن "الفيفا"، وإنما أيضاً بتكسير كل القوى المثبطة والتي عددت من زوايا القصف، لعلها تفلح في ترحيل المونديال عن قطر.


وبشكل سمج، فيه الكثير من المكر السياسي، وُضعت قطر من البداية في بؤر مدنسة بهدف اصطيادها، إلا أنها نجحت في القفز عليها، الواحدة بعد الأخرى، بالعمل والقول والفعل، وهي ثلاثية مذهلة، إما أنها أجابت على براءة الأسئلة وإما أنها قوّضت صرح بؤس الأسئلة.


قالت قطر أشياء كثيرة في رسالتها إلى العالم يوم تقدمت بطلب تنظيم كأس العالم، ولم تحد عن جملة واحدة مما قالته، ووعدت قطر بأن يكون كأس العالم بالديار الأجمل والأبهى والأروع، فما أخلفت وعدها، ووعدت بأن يكون كأس العالم على أرضها كأساً لكل العرب فما نكتت، ووعدت بأن يكون المونديال إرثاً، ويا لجمال ويا لروعة هذا الإرث الذي ستنعم به الأجيال بعد الأجيال في محيط قطر..


وقالت قطر من ضمن ما قالت، إنها ستردّ بطريقتها على المشككين والمستكثرين والسابحين في مستنقعات الخبث، وقد ردّت والعالم كله اليوم بمحيطاته وأرخبيلاته سيأتي أجساداً أو عيوناً إلى قطر، لينعم بمشاهدة كأس عالمية متفردة بطابعها الإنساني وبزخمها الرياضي وبحمولاتها الإبداعية.


وكما أن الأسئلة، إما ذابت كقطعة سكر في ماء الحقيقة، وإما تحجمت في وعاء الأجوبة عليها، وإما تكسّر الخبيث منها على صخر الدهشة، فإن العالم يقف اليوم من كأس العالم بقطر إما موقف المشدوه من روعة ما سيراه بعد أيام، وإما موقف المستحيي من الإساءات التي ألصقت بقطر من قوم السوء، وإما موقف المتحدي لكل من لا يزال في عقله ذرة شك واحدة، من أن قطر سبرت أغوار الخيال ليكون مونديالها قطعة من الجمال.


وأتصور أنه مع انطفاء المئات من الأسئلة، بخاصة تلك التي كانت تخرج بسفاهة من جحور المشككين والظانّين بقطر ظنّ السوء، لم يعد هناك سوى سؤال واحد يؤرق البال، سؤال المستوى الفني الذي سيكون عليه المونديال وقد تزحزح عن زمنه التقليدي، وقد أصبح الموعد شتاءً لا صيفاً، هل سيكون المستوى الفني كبيراً بسبب أن كأس العالم سيتوسط الموسم ولا يختتمه أو يتذيله؟ أم أنه سيتأثر بقصر مدة التحضير قبل ساعة الصفر؟


سؤال أفضل الخوض فيه باستفاضة في زاوية قادمة، لعلني أجد له جواباً شافياً بمشيئة الله.
 

للكاتب أيضاً