يزيد الإبهار لو تخطى العرب أول الأدوار

نجح "الأخضر" السعودي بالتأهل للدور الثاني في أول مشاركة مونديالية له في أميركا 1994

الخط

يأتي كأس العالم إلينا في نسخته الاستثنائية، منظماً ببلد عربي، ومواجهاً بنخوة وشموخ وأنفة العرب لكثير من التُرّهات الصادرة عمن في قلوبهم مرض أو زيغ، وما يهمنا في مقام أول بعد الفرجة التي ننشدها والتي ربطتنا شغفاً وولهاً بكرة القدم، أمرين اثنين.


أولهما، بأي حال وشكل وقوام فني وتنظيمي سيأتينا هذا المونديال المقام على أرض عربية؟


وثانيهما، بأي صورة ستظهر منتخباتنا العربية الأربعة، الحاملة للواء الكرة العربية وأحلام الجماهير العربية؟


إن كان على المتوقع أن نراه في كأس العالم بقطر، فقد أسهبت في هذه الزاوية الحديث عنه، وأجملت على أن العرض الكروي سيكون مبهراً وساحراً، وعدّدت لذلك أسباباً موضوعية لا مكان فيها للعاطفة.


أما ما يتعلق بالمتوقع والمنتظر من المنتخبات الأربعة المعتمدة من كرة القدم العربية لإظهار القيمة الفنية في مسرح التباري العالمي، فقد أفردت الزاوية الماضية للحديث عن "أسود الأطلس"، الذين يرى غالبية المحللين والخبراء أنهم مصدر الأمل الأول في رؤية منتخب عربي يعبر دور المجموعات على الأقل، واليوم سأعرض للمنتخبات العربية الثلاثة التي حالفها الحظ بأن بلغت كأساً عالمياً هي عز المنى والطلب لأي منتخب عالمي، لكنها مثلت شيئاً أكبر للمنتخبات العربية، لأن لعب مونديال بقطر أشبه ما يكون بلعب مونديال في الدار.


أول هذه المنتخبات الثلاثة، منتخب "نسور قرطاج" الذي كان ثالث منتخب عربي يحضر كأس العالم بعد مصر والمغرب، عندما تواجد بنسخة 1978 بالأرجنتين ومنح الكرتين الإفريقية والعربية الفوز الأول بالمونديال، ولإحياء الذاكرة، فذاك الفوز حققه زملاء طارق ذياب على منتخب المكسيك بثلاثية لهدف.


طبعاً سيكون مونديال قطر 2022 هو سادس مونديال لمنتخب تونس، والأمل كبير في أن يتحقق في الحضور السادس ما لم يتحقق في المشاركات الخمس الماضية، أي أن يسعد "النسور" بالتحليق للدور الثاني على غرار ما فعله الجاران، المغرب في مونديال المكسيك 1986 والجزائر في مونديال البرازيل 2014، وبرغم أن المرجعية والرصيد على مستوى كأس العالم، وطبيعة المجموعة التي وقع فيها المنتخب التونسي، إلى جانب منتخبات فرنسا والدنمارك وأستراليا، والتي لا تساوي في الحظوظ المنتخب التونسي إلا مع المنتخب الأسترالي، إلا أن أصدقاء وهبي الخزري يمكن أن يثقوا بقدرتهم على قلب الموازين، وأي نتيجة غير الخسارة في مباراتهم الافتتاحية أمام الدنمارك، ستعطيهم بلا شك أجنحة ليحلّقوا في سماء قطر، وليأتوا بما عجزت عنه أجيال ذهبية تعاقبت على منتخب تونس، أي تحقيق التأهل للدور ثمن النهائي.


وخلافاً لكل المنتخبات العربية الأخرى التي تبرز فيها القيمة الفنية الكبيرة للفرديات، فإن المنتخب التونسي سيعتمد أساساً على روح المجموعة التي تُعتبر في الغالب القوام الأكبر لأي منجز رياضي، وفي حال نجح المنتخب التونسي في تفادي الخروج من مباراة الدنمارك خالي الوفاض، فإنه سيقوي من حظوظه في رسم معالم الطريق لتحقيق الإنجاز الحلم، ذلك أنه سيقابل في ثاني مبارياته المنتخب الأسترالي، وهنا سيكون الفوز على منتخب "سوكيروس"، حاسماً في توجيه مسار المجموعة، لطالما أن المباراة الأخيرة عن دور المجموعات ستكون أمام منتخب فرنسا بطل العالم.


وإن نحن أتينا للحديث عن المنتخب السعودي الذي يصل لكأس العالم للمرة السادسة في تاريخه، على غرار ما حققه منتخبا المغرب وتونس، أربع منها كانت متتالية، استحضرنا الإنجاز الكبير الذي لم يسبقه إليه أي منتخب عربي بلغ المونديال، فمن أول مشاركة للـ"أخضر" السعودي في كأس العالم خلال نسخة 1994 بالولايات المتحدة الأميركية، نجح أكثر الأجيال المبدعة التي مرت على الكرة السعودية، مُشكّلاً من الدعيع، وفؤاد أنور، وسعيد العويران وسامي الجابر، في التأهل للدور الثاني، ومن الصدف الغريبة أن أول فوز حققه المنتخب السعودي في كأس العالم كان على حساب شقيقه المغربي.


وتبدو النسخة الحالية للمنتخب السعودي، بحسب ما شاهدته شخصياً في مسار التصفيات، أكثر تناغماً وجاهزية على المستوى الفني لمحاكاة المستويات العالية، ولِمَ لا تكرار ما أنجزه جيل الدعيع وفؤاد أنور بتجاوز الدور الأول ولو في وجود منتخبات منافسة بحجم الأرجنتين وبولندا والمكسيك. نسخة قوية للـ"أخضر" السعودي احتكاماً لِمَ جاء به المدرب الفرنسي هيرفي رينارد من واقعية في الأداء وتمثُّل كامل لمتطلبات الكرة الحديثة، وفي مقدمتها بالطبع الاستحواذ الإيجابي وربح الالتحامات والسرعة في التحول في الحالتين الدفاعية والهجومية.


وطبعاً، فإن المنتخب القطري يُمثّل حالة مستثناة في قائمة المنتخبات العربية الحاضرة بمونديال قطر، ليس لأن "العنابي" هو مستضيف البطولة ويحظى بأسبقية الملعب والجمهور، ولكن لأنه بهذه الاستضافة ضَمِن التواجد الأول له في المونديال، ويمكن للإنجازات الرائعة التي حققها جيل حسن الهيدوس وأكرم عفيف والمعز علي بخاصة على المسرحين الآسيوي والخليجي، أن تكون مؤشراً على أن المنتخب الحديث العهد بطقوس المونديال، يمكن أن يكون أكبر مفاجآت هذه الكأس العالمية، بعبور الدور الأول ولو في وجود منتخبات مثل هولندا والسنغال والإكوادور، وكيف لا يكون قادراً على ذلك وهو الذي حظي لطبيعته دون غيره من المنتخبات الحاضرة بالمونديال بأفضل تحضير ممكن، في عدد الوديات وفي تنوعها أيضاً.


هو مونديال العرب لكل العالم، وهو مونديال لنا نحن العرب لكي نظهر للعالم، أنه بمقدورنا أن نحقق خلاله ما لم نحققه في أي من المونديالات السابقة.
 

للكاتب أيضاً