الكالتشو الإيطالي: لعبة كراسٍ موسيقية في الانتظار..

12/08/2022 - محمد خليل

في بداية العقد الحالي، قاد أنطونيو كونتي إنتر ميلانو إلى التتويج بلقب الدوري، للمرة الأولى بعد غياب 10 أعوام كاملة

الخط

 

تنطلق غداً السبت، النسخة الـ121 لدوري الدرجة الأولى الإيطالية بكرة القدم، بمشاركة 20 فريقاً. فرقٌ تتباين طموحاتها بين راغبٍ بإحراز لقب الدوري، وفي مقدّمة هؤلاء الثلاثي، حامل اللقب، ميلان، وجاره إنتر ويوفنتوس، وقد ينضمّ إليهم آخرون، مثل روما في المقام الأول. أما باقي الفرق، فمنها من سيتنافس في حجز مركزٍ مؤهلٍ إلى البطولات الأوروبية، ومنها في حجز مركزٍ في النصف الأول من الترتيب، وأخرى ستكون أقصى طموحاتها عدم الهبوط إلى الدرجة الثانية. الأكيد، أننا سنكون، غالباً، على موعدٍ مع منافسة مثيرة، على موعدٍ مع لعبة كراسٍ موسيقية، لاسيّما بين فرق الطليعة، قد تشهد تبدُّل هوية المتصدر بين أسبوع وآخر، قبل تحديد هوية البطل في نهاية الموسم. فأهلاً وسهلاً بعودة كبار القوم إلى الواجهة من جديد، وأهلاً وسهلاً بمتعة الكالتشو!

 

في ثمانينيات القرن الماضي، كان الكالتشو الإيطالي، أو "جنّة كرة القدم"، يعيش أزهى أيامه. كان يضمّ نخبة من نجوم اللعبة، من إيطاليين وأجانب، موزّعين بين مختلف الفرق، ما ساهم في جعل منسوب المنافسة يصل إلى ذروته: 6 أبطال مختلفين في 10 مواسم. في العقد الأخير من القرن الماضي، شهد الكالتشو 4 أبطال مختلفين، قبل أن يشهد العقد الأول من القرن الحالي العدد عينه من الأبطال. في العقد الماضي، تبدّلت الأحوال، انخفضت حدّة المنافسة تدريجياً، تُوّج ميلان بلقب الدوري في الموسم الأول منه، قبل أن يفرض اليوفي سيطرة مطلقة، ويقبض على الدرع 9 مرات متتالية.


في بداية العقد الحالي، قاد أنطونيو كونتي إنتر ميلانو إلى التتويج بلقب الدوري، للمرة الأولى بعد غياب 10 أعوام كاملة، ليحذو جاره، ميلان، في الموسم الماضي، حذوه، ويُتوّج باللقب بعد غياب 10 أعوام كاملة كذلك. الفريقان يُمنّيان النفس بإبقاء درع الدوري في ميلانو، لكن المهمّة هذه المرّة لن تكون بالسهولة عينها، خصوصاً أنّ جارهما في شمال البلاد، "السيدة العجوز"، أعدّ العدّة للعودة إلى عرشه، لإحراز لقب بطولته المفضّلة، ومن خلفه روما الطامح لكسر هيمنة الثلاثي، ما يجعلنا أمام نسخة من دوري الدرجة الأولى تعدُ بالكثير. نسخةٌ تعدُ بمنافسة مثيرة كتلك التي شهدناها في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لكن سبب ذلك سيكون مختلفاً هذه المرة، ففي تلك الحقبة كان المتنافسون أقوياء وبصمتهم قاريّاً واضحة، أما حالياً، فانحسار الفجوة الفنية بين المتنافسين، غير القادرين على ترك أي بصمة قاريّاً، هو السبب الرئيسي.

 

اللقب الـ75؟
انتظر عشّاق الكالتشو الإيطالي سنوات طويلة لرؤية كبار القوم، يوفنتوس وميلان وإنتر، في منافسة مباشرة على لقب الدوري. انتظارٌ يبدو أنه قد انتهى مع بداية هذا الموسم، بالنظر إلى زادهم البشري، بعد الصفقات التي أبرموها في المركاتو الحالي. الفرق الثلاثة، أصحاب العدد الأكبر من المشجعين في إيطاليا، حسمت اللقب تاريخياً في 74 مناسبة سابقة، منها 36 لليوفي و19 لكل من قطبي ميلانو، فهل سنشهد في نهاية هذا الموسم التتويج الـ75؟

 

معجزة بيولي
في بداية أكتوبر 2019، عُيّن ستيفانو بيولي مدرباً لميلان، خلفاً للمُقال ماركو جامباولو، ليبدأ عملية بناء تدريجية لفريقه، فأنهى موسمه الأول في المركز السادس، ثم حلّ وصيفاً في موسمه الثاني، قبل إحراز لقب الدوري في الموسم الماضي.


كان لبيولي شريكان أساسيّان في النجاح المُحقّق، هما باولو مالديني وفريديريك ماسارا، اللذين أبرما صفقات كان من شأنها تحسين الزاد البشري موسماً بعد آخر، مع مراعاة وضع النادي المالي الصعب، ووضعا بين يديّ بيولي مجموعة من اللاعبين الشباب كانوا أساساً في ما تحقّق، أبرزهم رافاييل لياو وثيو هرنانديز وساندرو تونالي واسماعيل بن ناصر وفيكايو توموري وبيير كالولو وفرانك كيسييه.


في المركاتو الحالي، تابع الثلاثي العزف على المنوال عينه، عبر التعاقد مع البلجيكي الواعد تشارل دي كيتلار، لينضم الأخير إلى الثنائي العائد من الإعارة، ياسين عدلي وتوماسو بوبيغا، مقابل رحيل كيسييه إلى برشلونة الإسباني بعد انتهاء عقده. يملك ميلان حالياً فريقاً يجمع بين الشباب والخبرة، فإضافة إلى اللاعبين المذكورين، يضمّ حارس المرمى مارك مينيان وسايمون كايير وديفوك أوريجي وزلاتان إبراهيموفيتش وأليساندرو فلورنزي ودافيدي كالابريا وجونيور ميسياس وأنتي ريبيتش، وغيرهم، والأهم أنّ بيولي أوجد توليفة متجانسة وظّفها ضمن منظومة يعرف أفرادها المهام والأدوار المنوطة بهم، وينفذونها بإتقان وإجادة.


مهمّة المحافظة على اللقب لن تكون سهلة، فالمنافسون أكثر قوة، والعثرات التي قاموا بها الموسم الماضي، واستغلها ميلان بطريقة مثالية وساهمت في تتويجه، قد لا يرتكبون الكثير منها هذا الموسم، لكن، في الوقت عينه، يبدو "الروسونيري" أكثر قوة على الصعيد الفني، وأكثر صلابة على المستوى الذهني، لذلك، أن نرى ميلان على منصة التتويج من جديد لن يكون مفاجئاً.

 

فرصة إنزاغي الأخيرة؟
قد يكون هذا الموسم فرصة مدرب إنتر ميلانو، سيموني إنزاغي، الأخيرة، والأمر، غالباً، منوط باسترجاع لقب الدوري. لماذا الأخيرة؟ لأنّه موسم الرجل الثاني على رأس الجهاز الفني، أي أنّ تقييم عمله سيكون مختلفاً عما كان عليه في موسمه الأول، وما كان مسموحاً وقتذاك، لن يكون مسموحاً الآن، لاسيّما أنّ الزاد البشري المتوفّر حالياً أكثر جودةً وعُمقاً، ما يفسح في المجال أمامه لإدارة المباريات بشكل أفضل مما كان يفعل.


في الموسم الماضي، خسر إنتر خدمات روميلو لوكاكو وأشرف حكيمي، ليرث إنزاغي من سلفه أنطونيو كونتي فريقاً أقل قوّة، وترافق ذلك مع ضغط المحافظة على اللقب، فارتكب عثرات كلّفته خسارة الدوري. ظروف إنزاغي مختلفة هذا الموسم، فالفريق حالياً، من ناحية، أكثر قوة على الورق، بعد التعاقد مع العديد من اللاعبين، أبرزهم لوكاكو وحارس المرمى أندريه أونانا وهنريك مخيتاريان وكريستيان أصلاني، ومن ناحية أخرى، يجب أن يكون الرجل قد اعتاد على ضغوطات مهمة قيادة فريق مطالباً بتحقيق الألقاب، بعدما اختبرها الموسم الماضي، الذي كان الأول له على هذا الصعيد في مسيرته قادماً من لاتسيو.


مهمّة استرجاع لقب الدوري ستكون هدف الإدارة الأول. هي هيّأت كل ما يلزم لتحقيق ذلك، عبر المحافظة، حتى الآن، على متوسط الدفاع ميلان سكرينيار، ومعه باقي نجوم الفريق، باستثناء إيفان بيريسيتش، إضافة إلى الحصول على خدمات رأس حربة بمقدوره تحسين فعالية منظومة الفريق الهجومية، وهي أحد أسباب خسارة لقب الدوري في الموسم الماضي. الكرة الآن في ملعب إنزاغي، فهل سينجح في مهمّة التتويج بلقبٍ قد تُشكّل خسارته منعرجاً في مسيرته التدريبية؟

 

أليغري.. يكون أو لا يكون
في تصريح له مؤخراً، قالها ماسيمليانو أليغري بوضوح، إنّ واجب يوفنتوس التتويج بلقب الدوري.


تحرُّك إدارة اليوفي في المركاتو يصبّ في هذا الاتجاه: التعاقد مع بول بوغبا وأنخيل دي ماريا وجليسون بريمر وفيليب كوستيتش، وإمكانية التعاقد مع لياندرو باريديس، في حال مغادرة أدريان رابيو، إضافة إلى إمكانية التعاقد مع ممفيس ديباي أو أنطوني مارسيال، أو، بدرجة أقل، أركاديوش ميليك، لتدعيم خطي الهجوم والوسط. على المستوى الدفاعي، خسر الفريق خدمات قائده جورجيو كييليني وماتيس دي لخت، لكنه يبدو مكتفياً بالتعاقد مع بريمر، في ظل وجود ليوناردو بونوتشي وفريديريكو غاتي ودانييلي روغاني.


بين اللاعبين القادمين في المركاتو الحالي، والموجودين أصلاً، وفي مقدمتهم دوسان فلاهوفيتش والعائد من الإصابة، فيديريكو كييزا، وغيرهما، بات أليغري يملك بين يديه مجموعة من أفضل اللاعبين مقارنة بمنافسيه في الدوري المحلي. بالحدّ الأدنى، بات يملك زاداً بشرياً أفضل بمراحل مما كان عليه الحال في الموسم الماضي. زادٌ بشريٌّ يضمّ لاعبين بمقدورهم إيجاد حلّ فرديّ، كما أنّ لديهم من تنوّع الخصائص الفنية ما يمنح مدربهم مرونة تكتيكية.


التحدّي الأول أمام أليغري سيكون القدرة على خلق توليفة متجانسة، بالتوازي مع تحقيق بداية قوية وانتصارات متتالية، لكسب الثقة وإعادة هيبة الفريق المفقودة في الموسمين الأخيرين. النجاح في ذلك، من شأنه أن يُجنّبه نسبياً سهام الانتقادات التي وُجّهت إليه بضراوة في الفترة الأخيرة، والأهم أن ينجح، في نهاية المطاف، بتحقيق لقب الدوري، لأن ذلك وحده كفيل باستمالة جميع مشجعي اليوفي إلى صفّه، في بيئة لا تأتي جودة الأداء على رأس سلّم أولوياتها. بيئةٌ تتبنّى شعار أسطورتها جامبييرو بونيبيرتي: "الفوز ليس مهماً، لكنه الشيء الوحيد الذي يصنع الفارق".

 

كل الطرق تؤدي إلى روما؟
تعيش العاصمة الإيطالية روما، بشقّها الأحمر والأصفر، منذ الموسم الماضي، أياماً خاصة جداً لم تشهد لها مثيل في الفترة الأخيرة. يكفي مشاهدة تقديم نجم الفريق الجديد، باولو ديبالا، وما تخلّله من شغف انعكس لمعاناً في عيني الأرجنتيني، لملاحظة ذلك. شغفٌ لم يأت من فراغ، فنجاح جوزيه مورينيو بقيادة روما إلى لقب أوروبي، أشعل حماس مشجعي الفريق وأيقظ فيهم حلماً ينتظرون تحقيقه منذ أكثر من 21 عاماً: السكوديتو. لكن السؤال الأهم هو، هل روما قادر على تحقيق حلم مشجعيه؟ نعم، بالتأكيد.


بالنظر إلى المركاتو الحالي، النجاح بالحصول على خدمات ديبالا ونيمانيا ماتيتش وفينالدوم، وغيرهم، إضافة إلى وجود تامي أبراهام ونيكولو زانيولو، إن لم يرحل، ولورينسو بيليغريني وليوناردو سبينتسولا وحارس المرمى البرتغالي الدولي روي باتريسيو، كلها مؤشرات تصبّ في اتجاه أنّ الحلم مشروع.

 

اقرأ أيضاً للكاتب: دوري `أباطرة` الدفاع: سكرينيار آخر `وزرائهم`؟


بالطبع يُحسب لإدارة فريدكين قيامها بهذا العمل الممتاز، ضمن مشروع واضح الأهداف، لكن يُحسب لمورينيو ذلك أيضاً، فبالتأكيد لعب البرتغالي دوراً في إقناع هؤلاء النجوم بالانضمام إلى "ذئاب" العاصمة. "السبيشل وان" كان ذكياً جداً في اختيار لاعبيه الجُدد، لأسباب فنية، متعلقة برفع جودة الزاد البشري المتوفر بين يديه، ولأسباب غير فنية، متعلقة بقدرة هؤلاء على تطوير شخصية الفريق ومنحه عقلية انتصارية وزرع ثقافة الفوز لديه، على اعتبار أنهم، جميعاً، اعتادوا المنافسة على الألقاب والتتويج بها مع فرقهم السابقة، كما أنهم يجيدون التعامل مع الضغوط في الأوقات الحساسة والحاسمة. يبقى فقط أن ينجح مورينيو بإيجاد توليفة مناسبة، مع تغليف أدائها بروح قتالية وشراسة وعزيمة وثقة وإيمان بالقدرة على تحقيق اللقب، ولن يكون هذا الهدف مستحيلاً بعد ذلك، شرط ألا تعاكسه الظروف.


حتى لو لم يُصرّح مورينيو علناً بأن هدف "الذئاب" التتويج بلقب الدوري في نهاية الموسم، إلا أنّ كل ما يقوم به يوحي بذلك، علّه يُعوّضهم عن السكوديتو الذي حرمهم منه قبل 12 عاماً، عندما كان مدرباً لإنتر.

 

عقبات محتملة
حسمُ لقب الدوري يمرّ، إضافة إلى نتائج المواجهات المباشرة بين المرشحين للتتويج به، بالمواجهات مع باقي الفرق، لاسيّما الطامحة منها إلى احتلال مراكز مؤهلة إلى البطولات الأوروبية.


في مقدمة هؤلاء، نابولي، بقيادة لوتشانو سباليتي، الذي قد يتحوّل إلى أكثر من مجرد عقبة أمام طموح الفرق المذكورة أعلاه، خصوصاً إذا نجح بتعزيز صفوفه بأكثر من لاعب مرتبط بهم في المركاتو.


إضافة إلى نابولي، يُعتبر فيورنتينا، بقيادة مدربه الشاب والمجتهد فينتشنزو إيتاليانو، أحد الفرق التي دعّمت صفوفها بشكل ممتاز، بالتعاقد مع المهاجم لوكا يوفيتش والظهير الأيمن دودو ومتوسط الميدان رولاندو ماندراغورا وحارس المرمى بييرلويجي غوليني، والأهم كان المحافظة على ركائز تشكيلته الأساسية.


إلى جانب نابولي وفيورنتينا، قد تلعب فرق، لاتسيو المتجدد بقيادة ماوريتسيو ساري، وأتالنتا بقيادة جانبييرو غاسبيريني، وتورينو بقيادة إيفان يوريتش، وبدرجة أقل سمبدوريا بقيادة ماركو جامباولو، وساسوولو بقيادة أليسيو ديونيزي، وأودينيزي بقيادة أندريا سوتيل، وبولونيا بقيادة سينيسا ميهايلوفيتش، وفيرونا بقيادة غابرييلي شوفي، دوراً في تحديد هوية البطل.


مع الإشادة بالطبع، بالعمل الممتاز الذي يقوم به الثنائي، الغني عن التعريف إيطالياً، سيلفيو برلوسكوني وأدريانو غالياني، مع مونزا، الصاعد حديثاً إلى الدرجة الأولى.

أخبار ذات صلة