كأس العالم.. الدجاجة التي تبيض ذهباً!

أقيمت مواجهة المغرب وبلجيكا بالمونديال الأميركي في مدينة أورلاندو تحت حرارة مفرطة لامست الـ40

الخط

إن سألت الرومانسيين وحتى السورياليين، عن سبب اختفاء بعض من لمسات الجمال الفني والتعبيري بلغة التكتيك في مباريات كرة القدم، وعن سرّ تكلُّس المساحة الإستيتيقية في الأداء الجماعي لكرة القدم، لأجابوك بلا تردد، إنه المال، هو من أذهب بعضاً من السحر، وهو من جعل اللاعبين عبيداً للصفقات، فكثيرهم لا ينظر لأي تعاقد، إلا من زاوية ما سيذره عليه من أموال.


ولو أنت سألت الواقعيين، هل المال هو الجاني الوحيد في انطفاء الوهج الإبداعي بقدر كبير في كرة قدم اليوم، لقالوا إن مقاربة أي إشكال في جمالية أساليب اللعب، من زاوية المال فقط، هو تسطيح للتناول وتشويه للحقائق وقفز على سمات الزمن الجديد، حيث يلعب المال دور المحرك الأساسي لكرة القدم لتبقى في صدارة المجالات الترفيهية التي يلجأ إليها الإنسان.


والحقيقة أن المال، برغم أنه أتلف قيم الانتماء والولاء للأندية عند اللاعبين، وقلّص مساحات الإبداع لديهم، نتيجة للتشتُّت الذهني، إلا أن المال لا يعدو أن يكون عاملاً ضمن عوامل كثيرة في تبخيس الأداء الفني وتحجيم المهارة الفردية، لأن كرة القدم إن مرّت من زمن تكتيكي لآخر، ركّزت أكثر على الانضباط وعلى التقيُّد بالنواهي والمحاذير التكتيكية وعدم الخروج عن النص الجماعي، وقليلون هم المدربون الذين يبقون للاعبين هامشاً للحرية ولإبراز مواهبهم والنهل من معينهم الإبداعي.


ولئن كنت لا أستطيع تقديم زمن بعينه، بداية لغزو المال بشكل كبير للرياضة بشكل عام، ولكرة القدم على وجه الخصوص، إلا أنني أتذكر ما حدث عام 1994 والولايات المتحدة الأمريكية تنظم كأس العالم، فذاك المونديال تحديداً أرّخ للنقلة النوعية التي ستحدث في كرة القدم، وقد بات المحرك الاقتصادي من أقوى محركات رياضة يُفترض أنها عاشت مع البسطاء، بل ووُجدت من أجل البسطاء.


كان غريباً أن تذهب كأس العالم عام 1994 إلى الولايات المتحدة الأمريكية، إلى بلد يدين بالولاء لرياضات كثيرة غير كرة القدم، فبلاد "العم سام" عاشقة في مقام أول للبيسبول وللهوكي على الجليد ولكرة السلة وحتى للجولف، وما عرفناه بلغة الأرقام والإحصائيات الدقيقة، أن كرة القدم كما هي معروفة عندنا، لا تحظى بأي شعبية، فبرغم ما صرف على "السوكر" وبرغم كل النجوم التي تم إغراؤها واجتذابها، إلا أن كرة القدم بقيت على الهامش.

 

اقرأ أيضاً: تشلسي يشرب من `كأس ويليان` .. رغبة اللاعب أولاً!


ذهبت تلك الكأس العالمية للولايات المتحدة الأمريكية، بوازع اقتصادي ورياضي، اقتصادي بتحريض من الشركات العملاقة والمتعددة الجنسيات الداعمة للـ"فيفا"، ورياضي لتحقيق ما لم تنجح فيه كل الاستراتيجيات التي هدفت لأن توجد لكرة القدم موطئ قدم في مجتمع لا يعتبرها من تقاليده.


ومن جميل الصدف، أن تلك كانت هي كأسي العالمية الأولى التي أحضرها، وكما أنني وقفت على حقيقة أن كرة القدم هي للأمريكيين مثل نزوة عابرة أو معي زائد، فخارج أسوار ملاعب التباري لا تشعر إطلاقاً أنك في بلد يستضيف العالم كله، بجنونه وأحلامه وكرة قدمه المسيلة للعاب والصانعة للفرجة، بل إنك إن غادرت المركز الصحافي وفتّشت في تلفاز أي مقهى أو مطعم أو حتى فندق الإقامة، لا يمكن أن تعثر على القناة الناقلة لمباراة من مباريات المجموعات التي تجري بعيداً عنك، في قارة أخرى.


إلا أن الدال على أن هذا المونديال الذي اعتُبر فاصلاً بين زمنين في تاريخ كؤوس العالم، بدخول متغيّر اقتصادي، متمثل في الهجمة القوية للمال، هو ما حدث مع المنتخبين المغربي والبلجيكي، وقد فُرضت عليهما البرمجة اللعب زوالاً بمدينة أورلاندو تحت حرارة مفرطة، بلغت في ما أذكر الأربعين درجة مئوية، وقد أشفقنا وقتها لحال اللاعبين لأننا كنا نحن في منصتنا الصحافية نتصبب عرقاً.


وقد كانت مناسبة لقاء صحافي دعا إليه الرئيس الأسبق للـ"فيفا"، جواو هافلانج، مؤاتية لأسأله عن البعد الإنساني المُصادَر في برمجة مباراة لكأس العالم في مثل هذا التوقيت وفي ظروف مناخية قاسية جداً، فجاءني منه الجواب الذي يؤكد أن كرة القدم باتت من يومها أسيرة للمال، قال هافلانج:


"يا سيدي، لو طلب مني التلفزيون أن أبرمج مباراة لكأس العالم فجراً، في الثالثة صباحاً، لفعلت، أليس هو من يدفع؟".


كان القصد أن فارق التوقيت مع أوروبا هو ما برر برمجة المباراة في زمن الذروة الحرارية، ولأن عائدات البث التلفزيوني قفزت منذ تلك الدورة لمستويات قياسية، نتيجة لبروز فكر التشفير، فإن "الفيفا" لم يكن على استعداد لأن يكون رومانسياً ولا حتى إنسانياً في ضبط عقارب التباري على الموجات الرياضية، لأن ذلك معناه أن يُضحّي بالمكاسب، وكيف يُضحّي بالمكاسب وقد أصبحت كأس العالم بالنسبة إليه، الدجاجة التي تبيض ذهباً!!


 

للكاتب أيضاً